عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

283

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

العصمة من الزلل ، ووفقه والحاضرين لصالح القول والعمل ، وأجر على لسانه ما ينفع السامع ، وتذرف له المدامع ، ويلين له القلب الخاشع ، واغفر له وللحاضرين ولجميع المسلمين « 1 » . ومن كلامه رضي اللّه عنه ، وذكر شيء من علمه ، وتسمية بعض شيوخه رضي اللّه عنهم مختصرا : لما علم أن طلب العلم فريضة ، وشفاء الأنفس المريضة ، إذ هو أوضح منهاج التقوى سبيلا ، وأبلغها حجة ، وأظهرها دليلا ، وأرفع معارج اليقين ، وأعلى مدارج اليقين ، وأعظم مناصب الدين ، وأفخر مراتب المهتدين ، وهو المرقاة إلى مقامات القرب ، والمعرفة والوسيلة إلى التولي في الحضرة المشرفة شمر عن ساق الاجتهاد في تحصيله ، وصارع في طلب فروعه وأصوله ، وقصد الأشياخ الأئمة أعلام الهدى علماء الأمة ، فاشتغل بالقرآن حتى أتقنه ، وعم بدراسته سره وعلنه « 2 » .

--> ( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( 179 ) . ( 2 ) فائدة نافعة في ذكر رحلته في طلب العلم وشدة مجاهدته رضي اللّه عنه : قال الحافظ محب الدين ابن النجار في تاريخه : كتب إليّ عبد اللّه بن أبي الحسن الجبائي ونقلته من خطه ، قال : حكى لنا الشيخ عبد القادر قال : قالت لي أمي : امش إلى بغداد واطلب العلم ، قال : فخرجت من بلد إلى بلد ، وأنا ابن ست عشرة ، أو قال : ثماني عشرة سنة ، واشتغلت بالعلم ، وكانت أمي تشتاق إليّ ، فتكتب إليّ الكتب فتذكر شوقها إليّ ، وتقطع شعرها فتجعله في الكتاب وتنفذه ، فأكتب إليها : إن شئت تركت العلم وجئت إليك ، فتنفذ إليّ : لا تجئ واشتغل بالعلم ، فكنت أشتغل في الفقه على المشايخ ، وأخرج إلى الصحراء فلا آوى في بغداد ، وأجلس في الخراب بالليل والنهار ، وكنت ألبس جبة صوف ، وعلى رأسي خريقة ، وأمشي وأنا حاف في الشوك ، وما هالني شيء إلا سلكته . قال : وقال لي : طالبتني نفسي يوما بشهوة من شهوات الشوق ، فكنت أضاجرها وأدخل في درب وأخرج إلى درب أطلب الصحراء ، فبينما أنا ذات يوم أمشي إذ رأيت رقعه ملقاة في الطريق فأخذتها فقرأتها ، فإذا فيها مكتوب : ما للأقوياء والشهوات ، إنما خلقت الشهوات للضعفاء من عبادي ليتقووا بها على طاعتي ، فلما قرأتها خرجت تلك الشهوة من قلبي . قال : وقال لي : كنت أقتات بخرنوب الشوك ، وقمامة البقل ، وورق الخس من جانب النهر والشط . وقال ابن النجار : قرأت في كتاب أبي بكر التيمي ، قال : سمعت الشيخ عبد القادر الجيلي يقول : بلغت بي الضائقة في غلاء نزل ببغداد ، إلى أن بقيت أياما لا آكل فيها طعاما ، بل كنت أتتبع المنبوذات ، فخرجت يوما من شدة الجوع إلى الشط لعلي أجد ورق الخس والبقل وغير ذلك أتقوته ، فما ذهبت إلى موضع إلا وجدت غيري سبقني إليه ، وإن أدركت شيئا وجدت عنده جماعة من الفقراء ، فلا أرى -